محمد بن جرير الطبري
275
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك بقوله : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ فبين أن الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته مثل الذي له على صاحبه من ذلك . فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره ، وقد يحتمل أن يكون كل ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلا في ذلك ، وإن كانت الآية نزلت فيما وصفنا ، لأَن الله تعالى ذكره قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقا ، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حقه إليه مثل الذي عليه له ، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك وابن عباس وغير ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى الدرجة التي جعل الله للرجال على النساء الفضل الذي فضلهم الله عليهن في الميراث والجهاد وما أشبه ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد ، وفضل ميراثه ، وكل ما فضل به عليها حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر : عن قتادة : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : للرجال درجة في الفضل على النساء وقال آخرون : بل تلك الدرجة : الإِمرة والطاعة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن زيد بن اسلم في قوله : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : إمارة حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : طاعة قال : يطعن الأَزواج الرجال ، وليس الرجال يطيعونهن حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أزهر ، عن ابن عون ، عن محمد في قوله : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : لا أعلم إلا أن لهن مثل الذي عليهن إذا عرفن تلك الدرجة وقال آخرون : تلك الدرجة له عليها بما ساق إليها من الصداق ، وإنها إذا قذفته حدت ، وإذا قذفها لا عن . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عبيدة ، عن الشعبي في قوله : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : بما أعطاها من صداقها ، وأنه إذا قذفها لاعنها ، وإذا قذفته جلدت وأقرت عنده وقال آخرون : تلك الدرجة التي له عليها إفضاله عليها وأداء حقها إليها ، وصفحه عن الواجب له عليها ، أو عن بعضه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن بشير بن سلمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ما أحب أن استنظف جميع حقي عليها ، لأَن الله تعالى ذكره يقول : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وقال آخرون : بل تلك الدرجة التي له عليها أن جعل له لحية وحرمها ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا عبيد بن الصباح ، قال : ثنا حميد ، قال : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال : لحية وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو أن الدرجة التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها ، وإغضاؤه لها عنه ، وأداء كل الواجب لها عليه ، وذلك أن الله تعالى ذكره قال : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ عقيب قوله : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ فأخبر تعالى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها في مراجعته إياها في أقرائها الثلاثة وفي غير ذلك من أمورها وحقوقها ، مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إياه ما خلق الله في أرحامهن وغير ذلك من حقوقه . ثم ندب الرجال إلى الأَخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداء بعض ما أوجب الله لهم عليهن ، فقال تعالى ذكره : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ بتفضلهم عليهن ، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن ، وهذا هو المعنى